في اللحظة التي تتعالى فيها داخل غرف الولادة صرخات المواليد الجدد، يعلو هنا صراخ مختلف؛ صراخ أم تضع مولوداً جاء إلى الحياة صامتاً، لأن نموه لم يكتمل بعد. مواليد يخرجون إلى الدنيا قبل أوانهم، فتتلقفهم وحدات العناية المركزة كأحضان بديلة عن أحضان أمهاتهم، وتتحول فيها الأجهزة إلى رئة اصطناعية تمنحهم الهواء، وتغدو الأضواء الزرقاء شمساً صغيرة تعوض دفئاً لم يكمله الحمل.

دعاء لا يهدأ وقلوب عالقة

خلف زجاج الحضانة، تقف أم بعيون زائغة ودمعة عالقة، تتشبث بالحياة من أجل وليدها، وإلى جوارها يقف الأب في زاوية بعيدة، يحاول جمع شتات قوته، فيما قلبه يرتجف خوفاً على مولوده الذي جاء بلا صرخة كبقية الأطفال.

وتمضي الأيام والأسابيع، والوالدان لا ينقطعان عن زيارة الحضانة. دعاؤهما لا يهدأ، وقلوبهما معلقة بلحظة طال انتظارها؛ لحظة احتضان صغيرهما كما يفعل بقية الآباء.

الأطفال الخدّج.. حكاية تحدٍ طبي وإنساني ترويها حضانات المستشفيات كل يوم. بين جهود طبية تسابق الزمن لإنقاذ حياة صغيرة، وبين أمنيات والدين ينتظران اكتمال أشهر لم تكتمل، يقف مولود صغير يقاوم ظروفه، ويعلن حضوره إلى هذه الدنيا كما يفعل الأقوياء.

60 ألف خديج سنوياً

الولادة المبكرة واحدة من أبرز التحديات الصحية عالمياً؛ فبحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، يولد ملايين الأطفال سنوياً قبل أوانهم، وتعد الولادة الخدج السبب الأول لوفيات حديثي الولادة، وتشير المنظمة إلى أن 2020م، شهد ولادة 13.4 مليون طفل قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل، فيما شهد 2019م، وفاة 900 ألف طفل خديج لم يكتمل نموهم.

ورغم عدم توفر إحصاءات رسمية لعدد المواليد الخدج في السعودية لعام 2024م، تشير تقديرات إلى أن أكثر من 60 ألف طفل خديج يولدون سنوياً في المملكة. ولتقليل مخاطر الولادة المبكرة، تعمل القطاعات الصحية على توعية الأمهات بأهمية متابعة الحمل، خصوصاً لمن يعانين من أمراض مزمنة كالضغط والسكري، أو من يحملن بتوأم، وهي عوامل تزيد احتمالية الولادة المبكرة.

من هو الخديج؟

أوضحت استشارية الأطفال والعناية المركزة لحديثي الولادة الدكتورة مريم النويمي لـ«عكاظ»، أن الطفل الخديج هو كل مولود قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل، وتتنوع أسباب الولادة المبكرة بين الالتهابات غير المعالجة، والحمل المتعدد، وانفصال المشيمة، والنزيف، إضافة إلى الحالات التي يشكل استمرار الحمل فيها خطراً على الأم أو الجنين، مثل ارتفاع ضغط الدم الشديد أو عدم انتظام السكري، ما يستدعي أحياناً إنهاء الحمل جراحياً حفاظاً على سلامة الأم.

وأضافت استشارية حديثي الولادة الدكتورة النويمي، أن الضغوط النفسية، والتدخين، وارتخاء عنق الرحم، وتعدد الولادات المتقاربة والتشوهات الخلقية في الرحم، جميعها عوامل قد تسهم في حدوث الولادة المبكرة، مؤكدة أن بعض الحالات تحدث دون سبب واضح وقد تتكرر في أحمال لاحقة، كما أشارت إلى وجود مكون وراثي ملحوظ، إذ تظهر الدراسات أن 30–40% من الحالات لها تاريخ عائلي من جهة الأم.

%90 يعيشون طبيعياً

رغم التحديات التي قد تواجه الطاقم الطبي المختص، تؤكد استشارية الأطفال الدكتورة النويمي أن فرص بقاء المواليد الخدج اليوم مرتفعة، تصل إلى 80–90% بفضل التطور الطبي وأجهزة الدعم التنفسي الحديثة، مؤكدة أن معظمهم يعيشون حياة طبيعية، وإن كانت التحديات الصحية التي يواجهونها في البداية تتمثل في ضعف المناعة والتغذية، وقد تظهر لاحقاً مشكلات تنفسية أو صعوبات تعلم في الحالات الشديدة.

وشددت استشارية حديثي الولادة الدكتورة النويمي، على أن حليب الأم يمثل حجر الأساس في رعاية المولود الخديج، لسهولة هضمه وغناه بالأجسام المضادة، مشيرة إلى أن الأطفال الذين يتغذون على حليب أمهاتهم تقل لديهم معدلات التنويم خلال العامين الأولين بعد الخروج من العناية المركزة.

قصص من الحضانات

من واقع الخبرة السريرية، استعرض استشاري العناية المركزة لحديثي الولادة الدكتور عبدالعزيز الشيخ، حالتين تجسدان حجم التطور الطبي، الأولى لسيدة أنجبت أربعة توائم بعمر 24 أسبوعاً وبأوزان بين 500 و540 جراماً، مكثوا ثلاثة أشهر في العناية المركزة قبل خروجهم بصحة جيدة، وهم اليوم بعمر عامين بنمو طبيعي، أما الحالة الثانية فكانت لسيدة تبلغ 43 عاماً حملت بعد تأخر إنجاب دام أكثر من 20 عاماً، ووضعت طفلاً بعمر 26 أسبوعاً ووزن 670 جراماً، خرج لاحقاً بصحة جيدة.

أسرتي روت لي حكايتي

يروي بعض الذين قدموا إلى هذه الدنيا (خدّجاً) قصصهم، ويقول علي المحمودي: ولدت خديجاً قبل 23 عاماً، وعرفت تفاصيل ولادتي من أسرتي.

ورغم بعض الصعوبات الصحية البسيطة التي عانى منها في طفولته، إلا أن حياته اليوم طبيعية تماماً، يمارس عمله ونشاطه اليومي، ويؤكد أنه لا يشعر بأي اختلاف عن غيره، موجهاً رسالة شكر وعرفان لوالديه على صبرهما عند ولادته.

اختبار طويل للصبر

تروي منال الشهري تجربتها مع طفلتها التي ولدت في الشهر السابع وبقيت في العناية المركزة ثلاثة أشهر، قائلة: إن الالتزام بتعليمات الفريق الطبي والمتابعة الدقيقة لحالة طفلتها، كانت عوامل أساسية في تجاوز المرحلة. واليوم تعيش طفلتها حياة طبيعية دون عوائق.

وتروي سمر محمد تجربتها مع طفلتها الخديجة، واصفة تلك المرحلة بأنها «اختبار طويل للصبر والثقة»، مؤكدة أن الدعم النفسي والتواجد المستمر كانا عنصرين مهمين في رحلة العلاج، وأن طفلتها اليوم تنمو بشكل طبيعي دون آثار طويلة المدى.

أما فاطمة سامر، فتصف رحلتها بأنها امتدت لسنوات بعد الخروج من المستشفى، إذ عانت طفلتها من مشكلات تنفسية متكررة تطلبت متابعة دقيقة. ورغم الصعوبات، شهدت الحالة تحسناً تدريجياً، وتعيش الطفلة اليوم حياة مستقرة، مؤكدة أن الصبر والمتابعة الطبية كانا مفتاح تجاوز تلك المرحلة.

شاركها.