تنتظر المكسيك بفارغ الصبر قرارات شريكيها التجاريين الأكثر أهمية؛ الولايات المتحدة وكندا. وفي ظل الخلاف حول مواقفهما بشأن التجارة العالمية، تسير الدولتان على خط رفيع بين التعاون والتنافس. ويشكل مستقبل اتفاقية التجارة الحرة لبلدان أميركا الشمالية حالياً موضوعاً لكثير من الحوار والنقاش بين قادة هذه الدول. وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه يعتبر الاتفاقية «غير ذات صلة» بصناعة بلاده.
في غضون ذلك بدأ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في التوجه إلى الصين لتنويع الشراكات التجارية لبلاده، بينما تدعو الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم إلى الهدوء، مؤكدة أن اتفاقية التجارة الحرة لن يتم فسخها تحت أي ظرف من الظروف.
ولم تبدأ بعد المراجعة السنوية للاتفاقية رسمياً على الرغم من أن بعض المحادثات بين أعضائها قد بدأت بالفعل. ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن القرارات المتعلقة بمستقبل الاتفاقية بحلول الأول من يوليو المقبل.
وأشار كارني إلى الشروط التي فرضها ترامب على التجارة العالمية العام الماضي في خطاب قوي ألقاه في منتدى دافوس الأسبوع الماضي. وقال كارني في إشارة واضحة إلى التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب: «بدأت القوى العظمى في استخدام التكامل الاقتصادي كسلاح، والتعريفات الجمركية كوسيلة ضغط، والبنية التحتية المالية كوسيلة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يمكن استغلالها».
التغييرات التجارية
ويثير انزعاج كندا من التغييرات التجارية التي فرضتها الولايات المتحدة تساؤلات حول عزمها على البقاء في اتفاقية التجارة الحرة التي تضم الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
وفي الأسبوع الماضي، سافر كارني إلى الصين للتوقيع على شروط تجارية جديدة ستسمح، من بين أمور أخرى، بدخول السيارات الكهربائية الصينية إلى بلاده. وقد اعتُبر هذا الاتفاق، بالإضافة إلى تصريحات رئيس الوزراء في دافوس، إهانة لترامب، الذي قال يوم الأربعاء: «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة». والتوتر بين البلدين الجارين مستمر منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض قبل عام، لكنه تصاعد في الأسابيع الأخيرة.
واختارت شينباوم مرة أخرى البقاء على هامش النقاش بين أقرانها. ويوم الأربعاء، وصفت الرئيسة المكسيكية، خطاب كارني بأنه «جيد جداً» و«متوافق جداً مع الظروف الحالية». لكنها أكدت أن اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا ليست في خطر، وأن مفاوضات هذا العام لن تؤدي إلى إنهاء الاتفاقية. وقالت: «هذا في مصلحة الولايات المتحدة. ستظل المعاهدة سارية. وقد تكون هناك بعض التغييرات، لكن الصياغة ستبقى كما هي، لأنها مفيدة لجميع الأطراف»، موضحة أنه «من الواضح أننا يجب أن نسعى إلى إقامة علاقات مع مناطق أخرى من العالم».
والتقت الرئيسة المكسيكية برئيس الوزراء الكندي في سبتمبر في «مكسيكو سيتي»، وفي ذلك الوقت أوضحا أن كلا البلدين سيعملان على الحفاظ على الاتفاقية، بهدف دعم قوة أميركا الشمالية ككتلة تجارية قادرة على المنافسة مع المناطق الأخرى.
كما عزز الاجتماع بين كندا والمكسيك الدفع نحو تعزيز العلاقات الثنائية بينهما في الفترة التي تسبق مراجعة اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
واستقبلت شينباوم ماري سيمون الحاكمة العامة لكندا في القصر الوطني هذا الأسبوع. وتحدثت سيمون، وهي مسؤولة عينها ملك بريطانيا وتشمل مهامها دعوة البرلمان الكندي للانعقاد ودعم القوات المسلحة للبلاد، مع شينباوم حول المجتمعات الأصلية والعلاقة بين البلدين. كما أعلنت شينباوم أن وفداً من قادة الأعمال الكنديين سيزور المكسيك في فبراير لدراسة إمكانات استثمارات جديدة في البلاد.
وأقرت شينباوم بأن مستقبل اتفاقية دول شمال أميركا غير محدد، لكن إدارتها تركز اهتمامها على مسائل تجارية أخرى، مثل اتفاقياتها مع الاتحاد الأوروبي والبرازيل وسنغافورة وكوريا الجنوبية وفرنسا والصين.
وهذا الشهر بدأت المكسيك في فرض رسوم جمركية على 1400 منتج من آسيا، معظمها من الصين، في خطوة وصفت بأنها دفاع عن الإنتاج الوطني. كما اعتُبرت هذه الإجراءات فرصة للدولة اللاتينية لتتماشى مع سياسات ترامب الحمائية.
إنهاء الاتفاقية
ووفقاً لمركز «القوة الاقتصادية والمالية» التابع لمؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات»، فإن إنهاء اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا مقابل اتفاقيات ثنائية بين أعضائها من شأنه أن يهدد 17 مليون وظيفة تعتمد على سلاسل الإنتاج التي شكلتها على مدى العقود الثلاثة الماضية.
ويرى المركز أن «اتفاق كندا مع بكين يعطل ما بدا أنه طريق نحو عملية إعادة تفاوض أكثر سلاسة بشأن اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا». وقد أبدت الرئيسة المكسيكية استعدادها لتثبيت العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة وتقديم التنازلات الجمركية اللازمة بشأن المخاوف المتعلقة بالصين، وفقاً لما ذكره مركز الأبحاث الذي يتخذ من واشنطن مقراً له.
الحكومة المكسيكية
ويعد دعم اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا أحد النقاط القليلة التي يتفق عليها كل من الحكومة المكسيكية والمعارضة. وقال السيناتور، ريكاردو أنايا، زعيم حزب العمل الوطني في مجلس الشيوخ: «بالنسبة للمكسيك، الاتفاقية ليست غير ذات صلة فقط، وإنما مسألة حياة أو موت بالنسبة للاقتصاد المكسيكي أيضاً».
وأشار المُشرّع المكسيكي إلى أن 85% من الصادرات المكسيكية تتجه إلى مناطق في الولايات المتحدة وأن نحو 12 مليون وظيفة في البلاد تعتمد على الاتفاقية. وأعلنت السفارة الأميركية في المكسيك الأسبوع الماضي أنها ستخصص 23.4 مليون دولار لمواصلة دعم تعزيز نظام العدالة العمالية في المكسيك كجزء من الالتزامات المتعهد بها بموجب الاتفاقية.
وعلى الرغم من تهديدات ترامب ضد اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا وفرض إدارته تعريفات جمركية على قطاعات محددة في المكسيك، لاتزال الدولة اللاتينية، الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة، متقدمة على الصين وكندا.
ويرجع ذلك إلى شحنات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 448 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025. وتُعفى الصادرات التي تمتثل للاتفاقية من التعريفات الجمركية البالغة 25% التي فرضها ترامب. ووفقاً للسلطات المكسيكية، فإن أكثر من 80% من الشحنات إلى الولايات المتحدة تفي بهذا الشرط. وعلى صعيد الواردات، أصبحت المكسيك واحدة من الوجهات الرئيسة للصادرات الأميركية، حيث تشتري ما قيمته أكثر من 283 مليار دولار من البضائع. عن «الغارديان»
اتفاقيات تجارية
مع تصاعد التوترات، وفي محاولة للحفاظ على التكامل الإقليمي، فرضت الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، هذا العام رسوماً جمركية تصل إلى 50% على الواردات من الصين ومن الدول التي لا تربطها اتفاقيات تجارية مع المكسيك. وتهدف هذه الإجراءات إلى الحد من تفوق المنتجات الآسيوية في القطاعات المحلية الرئيسة مثل الصلب والمنسوجات والأحذية والألعاب وصناعة السيارات، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى التوافق مع سياسة واشنطن التجارية تجاه العملاق الآسيوي.
