تابع قناة عكاظ على الواتساب

كثيرون لا يعيشون أعمارهم كما هي، بل يعيشون في ظلال أعمارٍ سبقتهم.

يتغنّون بالماضي، يمجّدون أسماء الأجداد، ويرفعون تاريخًا مضى إلى مرتبة المثال الكامل، ثم ينظرون إلى حاضرهم بازدراء، كأن الزمن أخطأ حين اختارهم شهودًا على هذه اللحظة. والغريب أن هذا الماضي الذي يُستدعى بوصفه فردوسًا مفقودًا، لو عُدنا إليه بإنصاف، لوجدنا فيه من التناقضات، والتعب، والقصور الإنساني ما لا يقل عمّا نراه اليوم، لكن الذاكرة – بطبعها – لا تحفظ إلا ما يريحها.

التمسّك المفرط بالماضي ليس دائمًا وفاءً له، بل كثيرًا ما يكون هروبًا من ثقل الحاضر. فالحاضر يطالب بالفعل، بالمسؤولية، بالاختيار، وبالقدرة على الإضافة، بينما الماضي لا يطلب شيئًا، ولا يُحاسب أحدًا.

يتحوّل الماضي إلى شماعة نعلّق عليها فشلنا، وإلى خطاب جاهز يبرّر التوقف، بدل أن يكون تجربة نتعلّم منها ونكمل الطريق.

وقد أدرك الحكماء منذ وقت مبكر خطورة الوقوف بين زمنين، فقالت الحكمة: «يومان لا أُعنى بأمرهما؛ يومٌ تولّى ويومٌ لم يُولد». وهي عبارة تختصر فلسفة الحياة كلها: ما مضى خرج من يدك، وما لم يأتِ بعد ليس لك، أما هذه اللحظة التي تقف فيها الآن فهي الحياة بعينها. ولهذا قال الفلاسفة إن الحياة ليست ماضيًا نندب، ولا مستقبلًا ننتظر، بل لحظة تتلوها لحظة، ومن لا يُحسن العيش في اللحظة، فلن يُجيد العيش أبدًا.

إن الحاضر ليس مرحلة عابرة، بل هو سلّمك الوحيد للصعود، والمساحة الوحيدة التي يمكنك أن تترك فيها بصمتك الخاصة.

فيه تُختبر القيم، وتُقاس النوايا، ويتحوّل الكلام إلى فعل.

ومن الظلم للتاريخ أن نطالبه بأن يعيش نيابةً عنّا، فالماضي لا يُكرَّم بالبكاء عليه، بل بصناعة حاضر يليق به.

الأمم الحيّة لا تعيش على أمجادها، بل تجعل منها وقودًا للحركة، لا وسادة للنوم.

أما الحل، فلا يكمن في القطيعة مع الماضي ولا في عبادته، بل في علاقة متوازنة معه؛ نأخذ منه الجذور لا القيود، والعِبر لا الأوهام.

نحترمه دون أن نسكنه، ونتعلّم منه دون أن نتجمد عنده.

فالحاضر ليس خيانة للماضي، بل امتحانه الحقيقي، ومن أراد أن يكون وفيًّا لتاريخه، فليُحسن صناعة يومه، لأن الحياة – في النهاية – لا تُعاش إلا الآن.

شاركها.