حذّر آباء وأمهات من تداعيات لعبة رقمية آخذة في الانتشار الواسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «تيك توك»، تُعرف باسم «باليرينا كابتشينا»، مؤكدين أنها تُسوَّق للأطفال ضمن إطار ترفيهي جذاب، في حين تنطوي على مضامين خفية تتضمن إيحاءات غير ملائمة، ومشاهد عنف، وأنماط سلوكية مثيرة للقلق، لا تنسجم مع أعمارهم ومتطلبات النمو النفسي والتربوي السليم للطفل.

وقال مختصون في الصحة النفسية والتربية والقانون لـ«الإمارات اليوم» إن خطورة هذه اللعبة لا تكمن في شكلها الظاهري فحسب، بل في الرسائل السلوكية والنفسية التي تُمرّرها تدريجياً للأطفال، ما قد يؤثر سلباً في منظومتهم القيمية وتوازنهم النفسي، ويستدعي رقابة أسرية ومجتمعية عاجلة، إلى جانب تدخل تشريعي يواكب تسارع المحتوى الرقمي الموجّه للناشئة.

وتفصيلاً، عبّرت (منال.ف)، أمّ لطالبة في الصف الثالث الابتدائي، عن قلقها من انتشار اللعبة، وقالت: «في البداية ظننت أن المحتوى كرتوني وبريء، لكنني لاحظت على ابنتي ترديد عبارات غريبة وتقليد حركات غير لائقة، وعندما تابعت ما تشاهده اكتشفت مقاطع من (باليرينا كابتشينا) تحمل إيحاءات لا تناسب عمرها».

وأكد ولي أمر سامح برهان، الطالب في المرحلة المتوسطة، أن آثار اللعبة انعكست سلوكاً عدوانياً على ابنه، موضحاً أنه «بعد فترة من متابعة هذه المقاطع، أصبح أكثر عصبية في اللعب، ويقلد مشاهد عنف شاهدها على الهاتف، الأمر الذي دفعني إلى حذف اللعبة وتشديد الرقابة على استخدامه للأجهزة الذكية».

وطالبت سارة مراد، أمّ لطفلين، برفع مستوى الوعي المجتمعي عبر وسائل الإعلام، وقالت: «كثير من الأهالي لا يدركون خطورة هذا النوع من المحتوى، لأن شكله الخارجي مضلل. نحن بحاجة إلى توعية إعلامية وتربوية تحمي أبناءنا قبل أن تتفاقم المشكلة».

لعبة غير رسمية

وقالت المستشارة في الصحة النفسية، الدكتورة إيمان محمد، لـ«الإمارات اليوم» إن «باليرينا كابتشينا» لا تعود في أصلها إلى لعبة رسمية واحدة معتمدة، بل إلى ظاهرة رقمية حديثة ظهرت مطلع عام 2025 ضمن موجة محتوى عبثي انتشرت عبر «تيك توك»، تعتمد على شخصيات خيالية غير منطقية تم الترويج لها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، قبل أن تتحول إلى مقاطع فيديو وألعاب غير رسمية على بعض المنصات الرقمية، دون ضوابط واضحة أو رقابة عمرية صارمة.

وبيّنت أن هذا النوع من المحتوى يستهدف بشكل أساسي الأطفال والمراهقين، لاسيما الفئات العمرية بين ثمانية أعوام و14 عاماً، مستفيداً من الطابع الكرتوني والألوان الجذابة وسرعة الإيقاع، مشيرة إلى أن بعض النسخ المتداولة تحمل تصنيفات عمرية مضللة، أو لا تحمل أي تصنيف على الإطلاق، على الرغم من احتوائها على مضامين لا تتناسب مع هذه الفئة العمرية.

وأشارت إلى أن «باليرينا كابتشينا» حققت رواجاً واسعاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والآسيوية، قبل أن تنتقل بسرعة إلى المنطقة العربية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستفيدة من طبيعة المحتوى العابر للغة، ما سهّل وصولها إلى الأطفال داخل المنازل دون علم أو رقابة مباشرة من أولياء الأمور.

وشددت على أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في شكلها الظاهري أو اسمها، بل في الرسائل الضمنية التي تُمرّرها، والتي قد تُسهم في تشويه المفاهيم الأخلاقية لدى الأطفال، وتعويدهم على تقبّل العنف أو السلوكيات الخطأ بوصفها أمراً طبيعياً أو مسلياً، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على سلوكهم داخل الأسرة والمدرسة.

خطر نفسي وتربوي

وقالت استشاري الطب النفسي للأطفال، الدكتورة أماني بن حمدان، إن هذا النوع من المحتوى «يشكّل خطراً نفسياً حقيقياً، لأنه يُمرّر رسائل غير مباشرة إلى الطفل في مرحلة لا يمتلك فيها القدرة على التمييز أو النقد»، موضحة أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف أو الإيحاءات قد يؤدي إلى «اضطرابات سلوكية، وزيادة القلق، وضعف التركيز، وتطبيع السلوك العدواني».

وشدّدت المستشارة التربوية والأسرية، أميمة حسين، على أن خط الدفاع الأول لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي يبدأ من الأسرة، عبر تفعيل الرقابة الأبوية، وتعزيز أدوات الحماية الرقمية، وتنظيم وقت استخدام الشاشات، إلى جانب فتح قنوات حوار واعية مع الأبناء، وتوجيههم نحو بدائل رقمية آمنة وهادفة، مؤكدة أن هذه المسؤولية المشتركة لم تعد تحتمل التأجيل، موضحة أن رفع مستوى الوعي المجتمعي والتربوي بات ضرورة ملحة لمواجهة هذا النوع من المحتوى، قبل أن يُخلّف آثاراً سلبية عميقة في سلوك الأطفال ومنظومتهم القيمية.

تصنيف عُمري

وأكدت المستشارة القانونية، مها الجسمي، أن انتشار محتوى رقمي مثل «باليرينا كابتشينا» يثير تساؤلات جوهرية حول مسؤولية المنصات الرقمية في حماية الأطفال من المواد غير المناسبة، مشيرة إلى أن التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها مبادئ حماية الطفل في الفضاء الرقمي، تُلزم هذه المنصات بفرض ضوابط صارمة على المحتوى الموجّه للقُصّـر، وتطبيق أنظمة تصنيف عمري دقيقة، والحد من التوصية الآلية بالمحتوى الضار.

وأوضحت الجسمي أن الاكتفاء بتنبيهات عمرية شكلية لا يُعفي المنصات من مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية، خصوصاً في الحالات التي يثبت فيها احتواء المحتوى على مشاهد عنف أو إيحاءات أو سلوكيات غير ملائمة تصل إلى الأطفال بسهولة عبر الخوارزميات الرقمية.

ودعت الجهات المختصة إلى التنسيق مع المؤسسات التربوية للحد من انتشار هذه الظواهر الرقمية المتنامية.

وشددت على أن حماية الأطفال في العصر الرقمي تتطلب تكاملاً حقيقياً بين أدوار الأسرة والمؤسسات التعليمية والجهات التشريعية ومنصات التواصل الاجتماعي، محذّرة من أن التراخي في ضبط المحتوى قد يفتح الباب أمام تداعيات نفسية وسلوكية عميقة يصعب احتواؤها لاحقاً.

شاركها.