في مشهد سوداني معقد تتقاطع فيه لغة السلاح مع نداءات الإغاثة، تتسارع التطورات الميدانية والسياسية والإنسانية، لتضع البلاد أمام مفترق طرق حاسم بعد أكثر من ألف يوم من الصراع المفتوح. وجدد رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان التأكيد على أن ما يصفها بـ«معركة الكرامة» ما زالت مستمرة، ولن تتوقف قبل إنهاء التمرد وكل من يقف خلفه، مشددًا على أن الشعب السوداني يرفض أي محاولات لفرض حلول عليه من خارج إرادته.
تصريحات البرهان جاءت في وقت تشهد فيه عدة ولايات، خصوصًا كردفان ودارفور، تصعيدًا عسكريًا متواصلًا ومعارك عنيفة على الأرض. وفي مقابل خطاب الحسم العسكري، أرسلت الحكومة رسائل طمأنة من قلب العاصمة، بإعلان رئيس وزراء السودان الدكتور كامل إدريس عودة الخدمات بقوة إلى الخرطوم، مؤكدًا أن الوضع الأمني في شوارعها بات أكثر استقرارًا، وأن المرحلة القادمة تتطلب تضافر جميع مكونات المجتمع لبناء تعايش سلمي يعيد الحياة إلى طبيعتها بعد شهور طويلة من الاضطراب.
لكن الصورة لا تكتمل دون الجانب الإنساني، الذي يبدو الأكثر قتامة. فالأمم المتحدة حذّرت من أن السودان يعيش اليوم أكبر أزمة جوع ونزوح في العالم، مع استمرار النزاع دون أي مؤشرات حقيقية على الانحسار. فالمعارك المشتعلة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، خصوصاً في مناطق جنوب كردفان ودارفور، فاقمت من معاناة المدنيين، وسط تضارب الأنباء حول السيطرة على مناطق إستراتيجية مثل هبيلا.
وفي محاولة لتسليط الضوء على حجم المأساة، واصل المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك زيارته إلى السودان، حيث تفقد معسكرات النازحين في الولاية الشمالية، والتقى عائلات فقدت كل شيء تقريبًا. وأكد تورك أن زيارته تأتي تضامنًا مع الضحايا والناجين من انتهاكات الميليشيات، ودعمًا للجهود الرامية إلى تقديم الحد الأدنى من الحماية والمساندة لهم.
من جهته، أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيرًا شديد اللهجة، معلنًا أن عملياته الطارئة المنقذة للحياة باتت مهددة. وأوضح البرنامج أنه تمكن منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023 من الوصول إلى أكثر من 10 ملايين سوداني من الفئات الأشد ضعفًا، لكنه اضطر مؤخرًا إلى تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة. ومع اقتراب نفاد المخزون الغذائي بحلول نهاية مارس، فإن ملايين الأشخاص قد يُحرمون من المساعدات خلال أسابيع ما لم يتوفر تمويل عاجل.
هكذا يقف السودان اليوم على خط نار مزدوج: معركة عسكرية لا تهدأ، وأزمة إنسانية تتسع رقعتها يومًا بعد يوم. وبين وعود الحسم ونداءات الإنقاذ، يبقى السؤال مفتوحًا: أيهما سيصل أولًا إلى الشعب السوداني: نهاية الحرب أم حافة المجاعة؟
