غزة- وصفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” الأوضاع في قطاع غزة بأنها صعبة للغاية وخطيرة جدا، واعتبرت أن دخول القطاع مرحلة التجويع جاء نتيجة الحصار المشدد وغياب المساعدات الكافية، مؤكدة أن المجاعة “صُنعت بقرار سياسي إسرائيلي”.

ويواجه السكان نقصا حادا في الغذاء والماء والدواء، ويعاني أكثر من نصف مليون شخص من جوع شديد، حسب المنظمة التي قالت إن الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية، التي وثّقت إصابة أكثر من 18 ألف طفل، هي بالتأكيد أقل من الواقع.

وشددت على أنه “مع مقتل أو إصابة طفل كل 10 دقائق، فإن السبيل الوحيد لوقف قتل وتشويه الأطفال هو وقف إطلاق النار”.

وأشارت المنظمة إلى أن المدن الرئيسية في القطاع مثل غزة ودير البلح ومخيمات الوسطى وخان يونس تتجه نحو تجويع شامل، في حين تُظهر المؤشرات أن 39% من السكان يعيشون دون طعام لساعات أو أيام، بينما تواجه المنظمات العاملة صعوبات كبيرة بتوفير المساعدات والمستلزمات الضرورية للسكان بسبب قيود إسرائيل وعراقيلها.

وأكدت أن هناك “أرقاما صادمة” فيما يتعلق بالقتل والاستهداف والجوع، خصوصا بين الأطفال والنساء، مشددة على أنه “لا مجال لإنهاء المأساة في غزة إلا بوقف الحرب”.

ولمزيد من التفاصيل حاورت الجزيرة نت المتحدثة الرسمية باسم “اليونيسيف” في غزة تس إنغرام:

  • كيف تصفين الوضع الإنساني الحالي في غزة منذ بداية الحرب وحتى إعلان التجويع؟

منذ الأشهر الأولى للحرب، حذّرت “اليونيسيف” مرارا من أن قطاع غزة أصبح أخطر مكان في العالم على الأطفال، وأنه تحوّل إلى مكان يفتك بحياتهم. فمنذ اندلاع الحرب، يُقتل في المتوسط 27 طفلا يوميا، أي ما يعادل صفا دراسيا كاملا، ويحدث ذلك بينما يحاول الأطفال اللعب أو الدراسة أو النوم أو مجرد البحث عما يحتاجون إليه للبقاء على قيد الحياة.

على سبيل المثال، في 10 تموز/يوليو قُتل 9 أطفال أثناء انتظارهم في طابور للحصول على مساعدات غذائية من “اليونيسيف”، وبعد 3 أيام فقط، قُتل 7 أطفال أثناء محاولتهم جلب مياه للشرب.

يُقتل الأطفال ويُصابون يوميا بالقصف، ويتعرضون لجروح دائمة وخسائر لا يمكن تعويضها، من صدمات نفسية إلى إعاقات جسدية، ويستمر ذلك بشكل يومي منذ ما يقارب عامين، والأهالي يعيشون تحت ضغط هائل وهم يحاولون حماية أطفالهم من هذا الكابوس.

وفوق ذلك، تفاقمت الأزمة الإنسانية نتيجة القيود المفروضة على دخول المساعدات والسلع التجارية إلى غزة، ولا تزال هناك فجوة كبيرة في توفر الاحتياجات الأساسية للحياة: الغذاء، والمياه، والمأوى، والدواء، والملابس.

الأطفال يعانون ويفقدون حياتهم بسبب هذه الأزمة، فقد توفي أكثر من 110 أطفال بسبب الجوع أو مضاعفاته منذ بداية الحرب، وهي وفيات كان يمكن منعها لو أُتيح للأمم المتحدة وشركائها العمل على نطاق أوسع.

المتحدثة باسم اليونيسيف تيس إنغرام (اليمين) خلال نشاط مع الأطفال في رفح جنوب غزة (اليونيسيف)
  • ما هي المشاهد أو القصص التي بقيت عالقة في ذهنك؟ وكيف تصفينها؟

الأطفال الذين قابلتهم وأصيبوا بجروح خطيرة هم أكثر ما يظل في ذاكرتي حتى بعد أشهر طويلة.

هذا الأسبوع مثلا، التقيت الطفلة ريتال (8 سنوات) التي أصابت قذيفة المبنى الذي كانت تختبئ فيه مع عائلتها شمال غزة، أوائل يوليو/تموز الماضي، حيث قتل شقيقاها وأصيبت هي ووالدتها بجروح بالغة. وخضعت ريتال منذ ذلك الوقت لـ9 عمليات جراحية في البطن لمعالجة إصاباتها، لكن بسبب انهيار النظام الصحي في غزة لم تنجح أي منها في إنهاء معاناتها.

حين التقيتها، كانت قد أُخرجت من المستشفى لإفساح المجال لمرضى آخرين، كانت مستلقية على أرضية شقة مكتظة بعائلات نازحة، وهي تكافح عدوى في بطنها بسبب الظروف غير الصحية، والدتها تخشى ألا تنجو، بينما ريتال مصدومة لدرجة أنها توقفت عن الكلام، كانت تحدق فينا بعينيها المليئتين بالخوف والألم، عيناها قالتا أكثر من أي كلمات، هي بحاجة ماسة لإجلاء طبي خارج غزة لتلقي العلاج المنقذ لحياتها.

أجساد أطفال غزة الممزقة شهادة على الوحشية التي تُفرض عليهم (اليونيسيف)
أجساد أطفال غزة الممزقة شهادة على الوحشية التي تُفرض عليهم (اليونيسيف)
  • ما أبرز الصعوبات التي تواجهونها في إيصال المساعدات للمدنيين؟

خلال وقف قصير لإطلاق النار مطلع العام الجاري، تبيّن ما يمكن أن تحققه الاستجابة الإنسانية إذا أُتيح لها الوصول وفق المبادئ، وفي تلك الفترة، تمكنت الأمم المتحدة وشركاؤها من إدخال نحو 600 شاحنة يوميا وتوزيع المساعدات عبر أكثر من 400 نقطة في أنحاء غزة.

لكن منذ 2 مارس/آذار الماضي، أدت القيود الشديدة على دخول المساعدات وعودة الحرب إلى تقليص تدفقها إلى الحد الأدنى، وتسببت بموجات نزوح جديدة، وأدت إلى انهيار النظام العام.

المساعدات التي دخلت غزة خلال الشهرين الماضيين لا تفي بالحد الأدنى لبقاء أكثر من مليوني شخص، كما أن هناك تحديات إضافية تعيق إدخال المساعدات أو نقلها من المعابر إلى داخل غزة، منها:

  • الرفض المتكرر أو التأخير أو العوائق التي تفرضها إسرائيل على حركة العاملين الإنسانيين، خاصة من وإلى المعابر.
  • حالة الخوف واليأس التي تدفع بعض الأهالي إلى محاولة أخذ المواد مباشرة من الشاحنات قبل التوزيع.
  • انهيار النظام العام وما يرافقه من حوادث نهب.
  • استمرار القتال وما يرافقه من تهديد للعاملين والمواقع الإنسانية.
  • ضعف الاتصالات وتضرر الطرق ونقص المعدات الأساسية داخل غزة مثل الشاحنات وقطع الغيار.
  • حوادث إطلاق نار أودت بحياة مدنيين أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات أو تفريغها.

هذه العوامل مجتمعة تُعرّض حياة العاملين والسكان لمخاطر كبيرة، وتجبر وكالات الإغاثة، أحيانا، على تعليق نقل المساعدات من المعابر. وفي النهاية، تتضرر الأسر لأن القليل من المساعدات التي تدخل لا يصل إليهم بسرعة.

  • كيف تؤثر القيود على الحركة وإغلاق المعابر على عمل “اليونيسيف”؟

المعابر ليست مكانا مفتوحا نستطيع الوصول إليه بأي وقت، بل يتطلب الأمر موافقات مسبقة، وفي أحيان كثيرة تُرفض طلباتنا أو تتأخر الموافقات لساعات طويلة، مما يستهلك قدراتنا التشغيلية. وفي الجنوب، قد تستغرق رحلة شاحنة واحدة لجلب المساعدات من المعبر وإعادتها إلى القاعدة بين 10 و20 ساعة.

حتى عندما نحصل على الموافقات، قد تمنع الظروف الأمنية إتمام المهمة. ومع ذلك، استطاعت فرق “اليونيسيف” خلال الأيام الماضية جمع مئات الطرود من الأغذية العلاجية واللقاحات والحفاضات رغم كل التحديات، وهذا دليل على التزام الفرق بخدمة الأطفال، لكننا بحاجة إلى بيئة آمنة ومستقرة لإدخال المزيد من الإمدادات بشكل أسرع ودون عوائق.

غزة باتت المكان الأخطر في العالم بالنسبة للنساء والأطفال (عرب 48)
غزة باتت المكان الأخطر في العالم بالنسبة للنساء والأطفال (الأناضول)
  • ما حجم تأثير الحرب على الأطفال من حيث التعليم والصحة النفسية والتغذية؟

التجويع يتفاقم في مدينة غزة ويهدد بالانتشار إلى مناطق أخرى، تجويع من صنع الإنسان كان يمكن تجنبه، لكنه يحصد أرواح الأطفال، لقد وصلت معدلات سوء التغذية الحاد إلى أكثر من 15% في بعض المناطق، وهو مستوى أعلى من عتبة المجاعة المعترف بها عالميا.

التعليم كذلك شبه منهار، والعام الدراسي الجديد سيبدأ الأسبوع القادم، لكن لأطفال غزة سيكون العام الثالث على التوالي دون دراسة. طفل يبلغ من العمر 9 سنوات لم يبدأ يومه الدراسي الأول بعد.

كل طفل في غزة عاش مستويات لا توصف من الخوف والمعاناة، وتقدّر “اليونيسيف” أن نحو مليون طفل بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي.

  • هل هناك بيانات حديثة عن معدلات سوء التغذية أو فقدان التعليم؟

في يوليو/تموز 2025 وحده، تم تشخيص ما يقارب 13 ألف طفل بسوء تغذية حاد –أي أكثر بـ6 مرات من الحالات المسجلة في فبراير/شباط الماضي، هذه الزيادة المطّردة رافقها ارتفاع في الوفيات المرتبطة بسوء التغذية.

أما المباني المدرسية المتضررة فقد بلغت نسبتها 95.5%، و88.5% منها بحاجة لإعادة بناء أو إصلاحات كبرى، و”اليونيسيف” أنشأت مراكز تعليم مؤقتة، لكنها لا تعوض عن المدارس النظامية التي يتطلع إليها الأطفال.

معاناة النساء في غزة من اجل إطعام وحماية أطفالهن (اليونيسيف)معاناة النساء في غزة من اجل إطعام وحماية أطفالهن (اليونيسيف)
النساء في غزة يجدن صعوبة لإطعام وحماية أطفالهن في غياب الغذاء والدواء (اليونيسيف)
  • ما أبرز البرامج التي تنفذها “اليونيسيف” حاليا رغم الظروف؟

نواصل العمل رغم كل التحديات. نحن نُحصّن الأطفال باللقاحات، ونعالج حالات سوء التغذية في مراكز الاستقرار، وندعم وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة، ونوفر خدمات للأطفال المنفصلين عن ذويهم، ونقدّم دعما نفسيا للأطفال وأسرهم، وننفذ جلسات تعليمية في مراكز مؤقتة، وننقل المياه إلى أماكن النزوح ونصلح الآبار، ونقدم مساعدات نقدية للأسر الأكثر هشاشة حتى تتمكن من شراء احتياجاتها من السوق المحلية، وغير ذلك الكثير.

  • كيف تنظرون إلى آفاق العمل الإنساني في ظل استمرار الحرب؟

خططنا للتوسع واضحة، وكل ما نطلبه هو أن يُسمح لنا بتنفيذها. خلال فترة الهدنة أثبتنا أن ذلك ممكن وينقذ الأرواح. ومن الضروري أن تصل المساعدات المنقذة للحياة بسرعة وبكميات كافية، فالاحتياجات لا تقتصر على الغذاء فقط، بل تشمل المياه، والصرف الصحي، والأدوية، المأوى، الملابس، والوقود لتشغيل الخدمات، وغاز الطهي للأسر.

  • ما الرسالة التي تودون توجيهها للمجتمع الدولي اليوم؟

ندعو جميع الأطراف لإعطاء الأولوية لوقف إطلاق النار باعتباره السبيل الأفضل لحماية الأطفال من القتل والإصابة. كما ندعو إلى مراجعة عاجلة لقواعد الاشتباك العسكرية لضمان حماية المدنيين، وخاصة الأطفال، ونطالب الدول الأعضاء باستخدام أدواتها الدبلوماسية لضمان احترام القانون الدولي.

لا ينبغي أن يُقتل أي طفل أثناء انتظاره في طابور للحصول على الغذاء أو المياه، نحن قلقون بشدة أيضا من احتمال تصعيد العمليات العسكرية في مدينة غزة، حيث يعيش مليون شخص في ظروف التجويع، ويجب ألا تُجبر العائلات على النزوح، بل حمايتها سواء بقيت أو غادرت.

ندعو الدول الأعضاء لزيادة جهودها بشكل عاجل ومستدام للسماح بدخول المساعدات بكامل أنواعها إلى غزة بسرعة وعلى نطاق واسع، وتهيئة الظروف لتوزيعها بأمان، ونحتاج إلى مزيد من المساعدات وبشكل عاجل لوقف تفشي المجاعة.

كما يجب حماية ما تبقى من النظام الصحي في غزة وتعزيزه بشكل عاجل، والسماح بدخول الإمدادات الطبية والوقود لتغطية الاحتياجات الحرجة، خاصة لحديثي الولادة في الحاضنات والأطفال المرضى والمصابين، وفي الوقت نفسه، يجب إجلاء الأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة غير متوفرة داخل غزة، ليحصلوا على العلاج المنقذ لحياتهم.

شاركها.